فخر الدين الرازي

159

النبوات وما يتعلق بها

أمثلة ، خارجة عن الحد والاحصاء ، موافقة لهذا المطلوب . وأما الأصل الثالث : فهو أن تعلم : أن تحسين العقل وتقبيحه باطل ، لا عبرة به ، ولا التفاوت إليه ، في أفعال اللّه تعالى ، وفي أحكامه . وإذا عرفت هذه الأصول الثلاثة ، فحينئذ يظهر القول بصحة النبوات ، ظهورا ، لا يبقى فيه شك ولا شبهة . وتقريره : أن نقول : فاعل جميع هذه المعجزات هو اللّه تعالى [ لأنا بينا في الأصل الأول أنه لا مؤثر ولا موجد ولا مكون الا اللّه تعالى « 26 » ] ثم نقول : وانه تعالى انما خلقها لأجل تصديق هذا المدعى . فأما قولهم : « أنه يجوز أن يكون قد خلقها لأغراض أخرى » فنقول : ذلك التجويز قائم في الجملة . لأنا نقول : قد بينا أن قيام تجويز الوجوه الكثير قد لا يمنع من حصول القطع والجزم بواحد منها كما ذكرناه في المثال في القسم الثالث « 27 » فندعى : أن الأمر في هذه المسألة كذلك . والدليل عليه : أن موسى - عليه السلام - لما أمر القوم ببعض التكاليف ، وأبوا ، وأصروا . طلب من اللّه - تعالى - أن يوقف الجبل فوق رؤوسهم . ثم إنهم كانوا يشاهدون أنهم كلما قصدوا الطاعة والامتثال ، فذلك الجبل ، يتباعد عن رؤوسهم ، وكلما فصدوا العود إلى العتو والاصرار والكفر ، فذلك الجبل يقرب منهم ، بحيث خافوا من وقوعه عليهم . ومن المعلوم أن حصول هذه الحالة على هذا الوجه ، يفيد العلم الضروري بأن تعالى انما أوقف الجبل فوق رؤوسهم ، لأجل أن يتبادروا إلى الطاعة والامتثال . وتجويز أن يكون الغرض من اظلال ذلك الجبل شيئا آخر سوى هذا المقصود ، لا يقدح في حصول العلم الضروري ، بأنه لا مقصود منه سوى ذلك . فانا قد بينا أنه قد يحصل القطع والجزم مع قيام مثل هذا التجويز فثبت بالأصل الأول « 28 » : أن خالق كل المعجزات هو اللّه تعالى . وثبت بالأصل الثاني : أنه لا حكمة للّه - تعالى - من خلق تلك المعجزات ، الا التصديق . وهذا يفيد العلم اليقيني بأن اللّه تعالى انما خلق هذه المعجزات لأجل تصديق الأنبياء والرسل . والعلم الضروري ، حاصل بأن الكذب على اللّه - تعالى -

--> ( 26 ) سقط ( ت ) . ( 27 ) في المثال ( ط ) من الثالث ( ل ، طا ) . ( 28 ) فثبت بهذه الأصول ( ت ، ط ) .